تصحيح المفاهيم

تصحيح المفاهيم

 

 

تصحيح المفاهيم

 

 

                                                                          جـواد الخـالصـي

                           جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير

                                                                    بغداد – الكاظمية المقدسة

        

 

الدولة الاسلامية:

          منذ الضجة التاريخية المعروفة التي عاشها العالم الإسلامي والمدارس العلمية حول الإسلام واصول الحكم، فان الآراء قد تحددت وتبلورت حول هذا الموضوع في توجهين رئيسيين:

1-       رايٌ ينفي وجود نظام حكم في الاسلام واحكامه.

2-       ورأي يؤكد على وجود نظام الحكم في الاسلام.

ولا نريد ان نناقش الامرين في هذا البحث المختصر، ولكن القائلين بالرأي الثاني ونحن منهم، نرى هذا النظام (النظام الإسلامي)، انسانياً مدنياً، لا يميز بين من يدخلون تحت سلطته، ويحقق العدل والامن لهم جميعاً، ويعطيهم حصتهم الطبيعية، من حاجاتهم الانسانية، فالانساني يشمل كل البشر تحت سلطته بلا فروق، ويشمل حتى الذين خارج سلطته، فهو يتعامل معهم بروح المسؤولية والحرص والاحترام والمحبة، والنظام الاسلامي مدني، اي انه نظام يضع قوانينه للتطبيق العادل على كل من يعيش في ظل هذا الحكم بلا فرق ولا تمييز.

          هذا ما فهمه كل العلماء والعقلاء الذين آمنوا بوجود نظام الحكم في الاسلام مستندين الى ادلة الكتاب والسنّة والى السيرة القطعية التي سار عليها المسلمون دون معترض او مخالف من عصر النبي(ص) الى عصر الخلافة الراشدة الى مراحل الملك التي مر بها المسلمون، وتحت حكام مخلصين عادلين، او تحت سلطة حكام جائرين طغاة، وسعي النظام الإسلامي لتحقيق المساواة والامن والعدالة وهو من مميزات الحكم الشرعي الاسلامي والدولة الاسلامية. اما ان يكون الحكم خارجاً عن كل هذه المواصفات الشرعية فانه لا يمكن باي حال من الاحوال ان ينتسب الى الدولة الاسلامية، وقد يؤدي الى غاية سيئة مقصودة هي تشويه صورة الاسلام واحكامه.

 

الخلافة:

          وهي قد وردت في احاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يشير الى الاشادة بها والمديح لها، فهي تعني من يخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في امر الامة وتطبيق الشرع، وقد ورد تعميم لموضوع الخلافة ومعناها في حديث رسول الله (ص)، (الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر خليفة الله في ارضه وخليفة رسوله (ص) وخليفة كتابه) ، وقد اشيد بامر الخلافة حين وضعت امام الملك في حديث رسول الله (ص):" الخلافة ثلاثون سنة"، ثم يتبعها الملك، ولذلك اطلق عليها اسم الراشدة، لانها تتمسك بالخطوط العامة للاسلام وتحافظ على مبدأ العدالة والمساواة، وهي التي اشرنا اليها فيما فات حسب اجماع اغلب علماء الامة ومنهم الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في رسالته الاخيرة الى الشعب العراقي. واهم مميزات الخلافة هو فوق ما اشرنا الى مواصفات الدولة الاسلامية، هي مشاركة العامة في امر البيعة فيها، من خلال اولي الحل والعقد وهم الطبقة المختارة من علماء الامة وصلحائها، والذين يمثلون طبقة الصحابة الاولى التي كانت تبايع الخلفاء وتختارهم وتراقبهم، كما كانت الخلافة تعيش مع الناس في كل حاجاتهم ومعايشهم، ولا تقدم تخصيص طبقة من الاقارب والمعارف على حساب طبقة اخرى من الناس كما ترفض في مسيرة الخلافة مسألة توريث الحكم، ويبقى قضية استقلال القرار السياسي للامة هي المحور الذي ترتكز عليه حالة دولة الخلافة، التي تشكل مظهراً من العزة والهيبة للامة الاسلامية.

الحاكمية:

          من البدهي الثابت ان الحكم في الدولة الاسلامية كما وصفناها، وتحت حالة الخلافة كما ذكرناها تلتزم بامر الرسالة واحكام الشرع، ولا يمكن ان تعمل بغيرها ولكن وفق المفاهيم الانسانية التي اشرنا الى صفاتها الحقيقية والرحيمة، التي تجلت في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.الأنبياء:107، وليست الحاكمية بالتفسير الذي يتبناه بعض المارقين والذي يوصلها الى حد اللبس في الاحكام، والفوضى في القيادة، فحين رفعوا شعار لا حكم الا لله، اجابهم امام الحق والهدى علي ابن ابي طالب بقوله المدوي، (كلمة حق يراد بها باطل)، فلا بد للناس من امام، ومن حكومة ودولة، حتى لو كانت دولة على غير المواصفات الصحيحة أوالكاملة، حتى قال علي (عليه السلام) رده المعروف (لابد للناس من امام بر او فاجر)، وهو تاكيد للقول الماثور (حاكم ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم)، فهذا التصور للحاكمية هو محاولة جادة لمنع التسيب وحاكمية الفوضى تحت شعار حاكمية الشرع، او لا حكم الا لله.

          اننا نؤكد ان اصول الحاكمية الشرعية هي الأقدر على صيانة الامة والمجتمع، وان التفسير الضال او المنحرف هو تاويل جاهلي متخلف، يقوله قوم من الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ويقرأون القران لا يتجاوز تراقيهم، اي انه لا ينفذ الى اعماق قلوبهم، وبذلك فهم لا يفهمونه بشكل صحيح بل ولا يدافعون عن قيمة واضحة مقدسة، وهذا يؤكد خطورة هذا المنحى المنحرف في تأويل الفرق المارقة الضالة في هذا الزمان. ولعل الضمانة القطعية للتفريق بين الحاكمية الالهية المصونة للانسان وكرامته، والتطبيق المنحرف الجاهلي والدموي الاجرامي هو في مرجعية المفاهيم ومن يتبناها وغيرها فالانحراف لا مرجعية له ولا قيادة ولا فقهاء، بل هي مجموعة اندفاعات هوجاء غير مرتكزة على علم صحيح، فضلاً عن اختراقها والسيطرة عليها بهذا الاسلوب الخطير، فالعلم واهله الحقيقيون هم الضمانة من الضياع والانحراف، ومن الاستخدام الخطير والسيء المنحرف للافكار الشرعية المقدسة التي لها اصولها الثابتة في شرع الله ودينه.

 

الجهاد:

          وهو ذروة سنام الاسلام، وماض الى يوم القيامة باذن الله وهو باب من ابواب الجنة فتحه الله لخاصة اوليائه فمن تركه رغبة عنه، سيم الخسف واصيب بالذل وديث بالصغار، ولكن عملية التشويه التي مارسها الدخلاء الجاهلون والمارقون جعلت من الجهاد مجزرة ومذبحة دائمة تعرض في وسائل الاعلام لتشوه صورة الدين، فاين عملهم هذا من الجهاد في الإسلام الذي ذكره الشاعر الكبير احمد شوقي:

الحرب في حق لديك شريعة         ومن السموم الناقعات دواء

فالحرب في الاسلام (الجهاد) له قوانينه وانظمته ومقرراته وهو افضل ما جاءت به البشرية عبر العصور، وفي البداية، ان الحرب لا تشرع في الاسلام، الا لرد العدوان وازالة حواجز الظلم والاستعلاء امام الدعوة الى الله، وتطبيق العدل والمساواة بين البشر، واصل الدعوة ليس الحرب كما يفعل جهال هذا الزمان وانما هي الحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والخلق الرفيع والتحمل والصبر على اذى الخصوم والرفق بالناس كافة، وخصوصاً داخل صفوف ابناء الامة والرحمة بهم، فالجهد والجهاد والدعوة والقتال هو لانقاذ الناس من الضلالة والتيه والجهالة والحفاظ على حياتهم كريمةً تحت راية الاسلام، اما التشويه الخطير في قتل الناس وابادتهم وقطع رؤسهم وتمزيق احشائهم، فهذا كله من فعل اهل الجاهلية، الذين حاربوا رسول الله وقتلوا اهل بيته واصحابه وعذبوهم وفعلوا كل تلك الجرائم معهم، فالمارقون اليوم يستندون الى تراث اعداء رسول الله من اهل الجاهلية، وليس الى سنة رسول الله ورحمته بالامة. اما ما ثبت من قيام بعض ائمة المسلمين واصحاب رسول الله بقتل الاعداء وقطع الرؤوس احياناً، فان هذا كان يجري ضمن ظروف الحرب والقتال واسلحة المرحلة، لا بعد اسر الناس وتشويه صورة الاسلام بهذه الافعال القاسية، وكذلك فانها كانت تجري ايضاً بسلاح ذلك الزمان الذي كان يؤدي الى هذه الاصابات بشكل مالوف، وحصلت بشكل محدود وضمن الحروب والمعارك التاريخية مثل معركة الخندق، حيث كان عدوان المشركين لاستئصال دولة الاسلام، فكان الرد عليه بالمبارزة التاريخية التي خرج فيها علي (عليه السلام) لقتال فارس المشركين عمرو بن عبدود والتي قال عنها رسول الله (ص): اللهم لقد خرج الايمان كله الى الشرك كله، ومع ذلك فان علياً (عليه السلام) حاور عمراً الطاغية المعتدي وفارس المشركين ودعاه الى الايمان والهدى، ولكن الطغيان ونار العدوان دفعاه الى الاصرار على المبارزة لتكون مقدمة للهجوم على المدينة المنورة، وهذا ما دفع امير المؤمنين لمواجهتة ومقاتلته والقضاء عليه لارعاب جيش المعتدين وهو ما حصل فعلاً حيث هربت قريش ومن معها من المشركين، فقال رسول الله (ص) كلمته المعروفة: (ضربة علي يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين)،ثم قال مبشراً المسلمين: (من الآن نغزوهم ولا يغزوننا). فأين هذا الجهاد والشجاعة والبطولة، من احقاد الغدر والوحشية والإجرام التي يمارسها الجهلة المغرورون المجرمون ضد البشر وضد ابناء امتنا الاسلامية، بكل مواقعهم من عسكريين ومدنيين ومن كل شرائحهم وطوائفهم، وهنالك ملاحظة خطيرة ومهمة وهي ان الجهاد كان بقيادة رسول الله والائمة الهداة والخلفاء الصالحين الذين يسمعون من العلماء ويلتزمون باوامر الشرع التي يقولونها ان لم يكن الخلفاء القادة انفسهم من العلماء، وفي كل مرة خرج الجهاد عن قيادته الرشيدة، وتبنته شخصيات هزيلة، وعقول قاصرة، ونفوس مريضة، فانه تحول الى ممارسات قاسية ومحاولات هيمنة وسيطرة، واستعلاء وطغيان ليس فيه من دعوة الحق ونور الهدى اي شيء نبيل، وكانت تحصل هذه الإختراقات في بعض احداث الفتوحات، فلا يصلحها الا تدخل العلماء الصلحاء او عزل القيادات السيئة او المتخطبة التي انطلقت من روح الغلبة والهيمنة، لا من روح الحب والدعوة والهداية والتسامح، وقد عزل رسول الله (ص) بعض القادة من كبار الصحابة لشعار رفعه يوم الفتح، وظهرت فيه رائحة الغطرسة وحب الإنتقام، وعزل بعض القادة لأنهم مارسوا السيف والعدوان دون الدعوة والأخلاق ووجد (اي حزن) في نفسه وجداً شديداً، لأن احد الصحابة القريبين قد قتل رجلاً مسلماً شهد ان الا اله الا الله فكان يقول له النبي العظيم، كيف بك اذا جاء بلا اله الا الله يوم القيامة، والذي حصل في زماننا هذا ان بعض الشيوخ وبتأثير بعض السياسات في الدول الصغيرة المتأثرة بالمشاريع الخارجية والتابعة لها، فاصدروا فتاوى الجهاد وهم على بعد الآف الأميال من الحدث اليومي الخطير، وبعضهم يحث على الجهاد و لا يقرب منه ولا يرسل اليه ابناءه ومحبيه والمقربين اليه، بل تراهم يمرحون ويلعبون في الحدائق الغناء وكان الأحداث لا تهمهم والمشاهد لا تؤلمهم والدماءلا تحزنهم، فتصدى للجهاد اناس من الجهلة والمتخلفين، لا علم لهم فينفع و لا تقوى عندهم فتردع، فوغلوا في دماء المسلمين ايما ايغال، وجعلوا القتل شعارهم، لا الهداية، والموت هدفهم لا الحياة، وتأولوا كل النصوص بشكل مقلوب بسبب غبائهم وجهالتهم، وكان الأجدى حين يأمر احد من اهل العلم بالجهاد ان يتصدى اليه بنفسه كما أُمر رسول الله (ص)، حيث امره الله بالجهاد واعطاه السيف فقال له: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) فاعطاه السيف وقال له، لا تجبر احدا على ان يقاتل ولكن حرضهم وادع من آمن بك وصدقك عن وعي وبصيرة وهدى واختار طريقك الذي يراد منه رد بأس الذين كفروا المعتدين على الدين والحق والإيمان.

وهذا ما جرى في العراق ضد الغزو البريطاني عام 1914، ونحن الآن في الذكرى المئوية لها فيما يعرف عندنا بمئوية الجهاد والمقاومة- حيث خرج كبار الفقهاء، وبعضهم كان عمره قريباً من الثمانين وعاشوا مع الناس والفقراء والمجاهدين في ميادين الحرب، يشدون ازرهم ويشحذون هممهم ويوجهونهم الى طريق الخير والإيمان والصواب، والإلتزام باحكام الشريعة المقدسة في كل صفحات الحرب والمواجهة، اما ما يجري اليوم فهو الفوضى العارمة والهرج والمرج والفتنة بكل تفاصيلها، وهذا ما يتحمل اوزاره من اصدروا مثل هذه الفتاوى الموجهة والإرتجالية التي لا تستند إلى كتاب وسنّة، ولا الى عقل ووعي وحكمة.

 

الجاهلية والتكفير:

واخيراً فما هي الجاهلية التي يُهاجرمنها الى الإسلام، وما هو التكفير الذي تَرجع به الى الكفر والجاهلية، انه لأمر خطير جداً ان نحكم نحن اوغيرنا على قرار الإنسان واختياره، فحين يقول رسول الله (ص): " من قال لا اله الا الله حقن ماله ودمه وعرضه"، فهل يحق لغيره ولو كان جاهلاً او داخلاً في الإسلام من ايام قريبة، ان يكفر اهل الإيمان وخصوصاً اولئك الذين دخل بجهادهم إلى الإسلام، كيف يجرأ احدهم ليقول لرسول الله (ص) اعدل يا محمد، فما كان من نبي الرحمة الا ان يقول له بادبه الجم: (ويحك ان لم اعدل انا فمن ذا الذي يعدل)، ثم اشار الى مصيره المأساوي بسبب عناده وجاهليته وتكفيره، ولم يقف عند هذا الحد بل بادر هو واشباهه الى تكفير امام الهدى علي عليه السلام واستباحة دمه ودم اتباعه المؤمنين، وكان عليه السلام يقول عنهم بلسان الإمامة الهادية المهدية (انهم اخواننا بغوا علينا)، وهذا الفرق الكبير بين اهل الإيمان والحق، واهل الإيمان الظاهري المتزعزع، فالأول لا يُكفر المسلم بل يقول انه اخوه ولو بغى عليه وخرج على الحق، والثاني يكفر ويطغي ويستبيح الدم والعرض والأرض والأموال، كما يحصل بشكل واسع عند اهل الفتنة والتكفير اليوم، فهم امتداد لهذا النهج التكفيري الجاهلي المارق عن الإسلام والدين القيم.

فالجاهلية هي حالة لا تلتزم بالدين ولاتقبل كلمة الحق، والإسلام هو حالة ينتقل اليه الجاهلي بمجرد ان يقول لا اله الا الله محمد رسول الله ويلتزم بمقتضياتها فقط ، ولايجوز لأحد ان يكفره او يمنعه من حقه الفطري في الإيمان والهداية، ولعل اكبر دليل على صحة الإيمان عند الإنسان، هو تحرزه وتهيبه من تكفير الإنسان الآخر، واقراره بايمانه وتعظيمة لأمره، واعظم دليل على ضعف الإيمان او عدم صدقه، هو الشروع الى تكفير الناس والحكم عليهم بالردة ومن ثم استباحة دمائهم واعراضهم واموالهم.