دور ثقافة الحوار في نبذ الطائفية

دور ثقافة الحوار في نبذ الطائفية

 

 

دور ثقافة الحوار في نبذ الطائفية

 

 

 

 

الدكتورة لاله افتخاری

نائبة في مجلس الشورى الاسلامي الايراني

 

 

المقدمة لعبت مسألة الأديان والمذاهب على مر التأريخ دوراً محورياً وحاسماً في بناء المجتمعات البشرية وتكاملها، وتعود جذور رغبة الإنسان وميله لعبادة الخالق إلى حقيقة الفطرة المتأصلة في طبيعة هذا الكائن، مما جعلت منه أهلاً لنعمة الهداية التي أنعمها تعالى على بني آدم من خلال التشريعات السماوية التي تقدم للإنسان كافة مقومات الحياة السامية والمثالية. ولذلك فقد تواصلت حلقات النبوة بمرور الزمان، وجاءت الرسل تترى، في تناسق منسجم مع نضج البشرية وتكاملها، إلى أن بعث الله سبحانه نبيه المصطفى (ص) خاتماً للنبيين، وشرّع تعالى شأنه دين الإسلام كعصارة لمجموع ما سبقته من الأديان والشرائع. لقد واجهت معظم الأديان والشرائع السماوية تحديات كبيرة طوال فترات تأريخها، إذ نشأ في إطار كل واحد منها فرق ومذاهب مختلفة، فتنوعت الملل والنحل بتنوع الأديان والشرائع، وظهرت حالة من التعددية الدينية والمذهبية. ويشير المفهوم المعرفي للتعددية في المجالين الديني والمذهبي إلى أن الأديان والمذاهب رغم تنوعها فإنها ترشد أتباعها إلى هدف واحد، وتسلك اتجاهات مختلفة عن بعضها للوصول إلى غاية واحدة. وبطبيعة الحال فلا تخلو هذه التعددية عن ثمة مساحات مشتركة وفواصل مفرقة في نفس الوقت بين القراءات المتعددة والإجتهادات المتنوعة في إطار الدين الواحد أو ما يصطلح عليه بالمذهبية، فأما القواسم المشتركة ونقاط الوفاق فإن التركيز عليها يؤدي للتقريب بين تلك المذاهب وبالتالي تحقيق الوحدة، وبالمقابل فإن التأكيد على أوجه الإختلاف ينتج التباعد والتنافر ومن ثَمّ الفرقة والتناحر. وهنا يأتي دور الامة الإسلامية لتحسم موقفها وتختار ما تختار من هذين المسارين المتقابلين، وتنتهج الاسلوب الذي يسير بها في أحد الإتجاهين، فإن اختارت منهج التطرف والتعصب الأعمى والطائفية البغيضة، تفرقت كلمتها وتشتّتَ صفها وانهارت قواها، وإن ركّزت على نقاط الوفاق المشتركة وقرّبت وجهات نظرها وانسجمت، التأم شملها وتوحّد كيانها وانطلقت تخطو لاستعادة أمجادها الغابرة. ونحن في هذه الورقة سنسلط الضوء على إحدى المناهج بالغة التأثير في التقارب المذهبي ووحدة الامة الإسلامية، ونبذ الفرقة والطائفية العمياء، وهو منهج الحوار الذي يؤكد عليه ديننا عبر النصوص الكثيرة. ولا ريب ان الحوار الشامل والمشترك بين أتباع المذاهب الإسلامية لا سيما على مستوى العلماء والباحثين والمفكرين هو الحل المنطقي والصحي الذي من شأنه التقريب بين المذاهب الإسلامية وتحقيق الإنسجام الإسلامي وصولاً للوحدة الإسلامية الشاملة. الحوار ومكانته في المجتمعات البشرية طوال الفترات التي مر بها تأريخ البشرية، لعب الحوار دوراً أساسياً في حياة الإنسان، فالإنسان بطبيعته يميل للغة الحوار والمناقشة والمجادلة، وقد استفاد من هذه الخاصية في جميع المجالات. وتتجلى أهمية الحوار في المجتمعات البشرية بناء على المقدمتين التاليتين: 1- أصل فطرية التفكير: لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن أكبر هذه النعم نعمة العقل والقدرة على التفكير، فقد خلق الله تعالى الإنسان مفطوراً على هذه القدرة بما منحه من قوة عاقلة مفكرة تميزه عن باقي الكائنات الحيوانية. 2- أصل فطرية النطق: وكما خلق الله سبحانه الإنسان مفطورأً على قدرة التفكير، فقد خلقه مفطوراً على النطق وجعل اللسان آلة ينطق بها ويحاور بواسطتها بني جنسه، فالقدرة على النطق والبيان موجوة في طبيعة الإنسان، قال تعالى في محكم التنزيل: (خَلَقَ الإنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)(1). وبعد انضمام هاتين المقدمتين، يتضح دور الحوار بما له من أهمية قصوى في تبادل الأفكار وتعاطي المعلومات والتواصل الإجتماعي، مما يؤدي بالتالي إلى تنمية المجتمعات وتكاملها على كافة الأصعدة العلمية والفكرية والثقافية و.... دور الحوار في تطوير العلاقات الثقافية: 1- الحوار كآلية للتبادل الثقافي: يعتبر الحوار عاملاً هاماً في تبادل الأفكار والرؤى في المجتمعات البشرية، فالأفكار الإنسانية تجد في الحوار مجالاً رحباً للتبلور والظهور، وتنتقل عبر هذه الوسيلة للآخرين. وتظهر أهمية هذا الموضوع بشكل خاص في حالة حدوث مواجهة بين المجتمعات البشرية ذات الأفكار والثقافات المتنوعة، أو التي لها رؤى عالمية أو معتقدات دينية متباينة ومختلفة عن بعضها البعض، فحينها يأتي الدور الفاعل للحوار كوسيلة لتبادل وجهات النظر وتعاطي المعلومات والتجارب المكتسبة، وهو ما يعبر عنه بالتبادل الإجتماعي الثقافي. وبعبارة اخرى فإن المجتمعات البشرية ومن أجل التعارف على بعضها البعض وتفادي المواجهات، لا بد لها من التبادل الثقافي والديني، ولأجل تحقيق هذا الهدف لا مفرّ لها سوى الرضوخ لمنطق الحوار. 2- الحوار البناء ينتج الوسطية والإعتدال: إن من شأن الحوار الذي يتم في الإتجاه الصحي الهادف بعيداً عن المسائل الهامشية أن يرفع من المستوى المعنوي والأخلاقي للإنسان ويضيء له درب الوسطية والإعتدال والتعايش السلمي. قال سبحانه وتعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(2). ومن الناحية العلمية، فإن الحوار يعتبر اسلوباً من أساليب الفهم المتبادل على مستوى الأفراد والمجتمعات، وطبقاً لقواعد علم النفس فإن للحوار دوراً كبيراً في التآلف القلبي والتوادد بين المتحاورين، مضافاً إلى تأثيره البالغ في انتهاج السلوك العقلاني والمتوازن، ويعتقد "بارنت كينكيد" وخبراء آخرون في علم الإجتماع إن مواصلة العلاقات الإجتماعية والإستمرار في تبادل المعلومات ينتجان حالة من التفكر الجماعي المنسجم والمعتدل في المجتمعات البشرية(3). أهمية الحوار الديني في نبذ الإختلاف أ- مفهوم الحوار الديني: ينبغي أن يشتمل الحوار الذي يجرى على المستوى الديني على عدة ركائز أساسية، وقد صور لنا القرآن الكريم هذه الركائز بأروع بيان حيث قال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(4). وحسب ما جاء في كتب التفاسير فإن هذه الآية تتضمن ثلاث نقاط أساسية يجب أن يتقيد بها اسلوب إجراء الحوار المذهبي وهي: "الحكمة" و"الموعظة" و"المجادلة"، ويرى بعض المفسرين ان عبارة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) ناظرة إلى الاستدلالات والبراهين العقلية، وعبارة (والموعظة الحسنة) تشير إلى التعامل بعطوفة ولين مع الأشخاص الذين لا يستوعبون مفهوم المنطق والاستدلال، أما عبارة (وجادلهم بالتي هي أحسن) فتتعلق بالذين امتلأت أفكارهم بالمسائل الخاطئة بحيث يجب ابتداءا العمل على إزالة تلك الأفكار لكي تستعد عقولهم للإذعان للحق. وفي آية اخرى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)(5)، أي لا تجادلوهم إلا بأفضل الطرق التي تؤدي إلى إلإقرار والإذعان للحق، وهنا قد يكون المقصود أفضل الطرق والوسائل من ناحية الإستدلال والبرهان، أو يكون المراد أفضلها من جهة التلاؤم مع الطبع الإنساني كما ورد ذلك في قوله تعالى مخاطباً موسى وهارون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(6)، أو يكون المراد الجهتين معاً(7). وهناك أيضاً آيات اخرى في هذا السياق منها قوله تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(8)، وقوله تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً)(9). وحاصل الكلام: ان هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تؤكد على ضرورة القول الحسن والحوار الصحي البناء في تعامل المسلمين مع سائر الأديان والثقافات الاخرى. ب- أنماط المحاورة الواردة في القرآن الكريم ورد مفهوم المحاورة في القرآن الكريم في مواضع عديدة وفي إطار ثلاثة مفاهيم هي: "القول" وتكرر في 527 موضعا، و"الحوار" الذي ورد في 3 مواضع، و"الجدل" الذي تكرر 29 مرة. من جهة اخرى فإن المحاورات الواردة في القرآن الكريم جاءت في إطار أشكال وصور مختلفة، وهي كالتالي: 1- الحوارات الإلهية، وتشمل: أ- الحوارات الإلهية مع الملائكة. ب- الحوارات الإلهية مع الأنبياء. ج- الحوارات الإلهية مع العباد. 2- حوارات البشر، وتشمل: أ- حوار البشر مع الله سبحانه وتعالى، وهو على نحوين: - حوار الأنبياء مع الله سبحانه وتعالى. - حوار العباد مع الله سبحانه وتعالى. ب- حوار إنسان مع آخر، وهو أيضاً على صنفين: - حوار الأنبياء مع الناس. - حوار الناس مع بعضهم البعض. والصنف الأخير هو المقصود به في الحوارات الدينية والمذهبية والثقافية. 3- حوار سائر المخلوقات، وتشمل: أ- الحوار بين الأنبياء والمخلوقات. ب- حوار المخلوقات مع بعضها البعض. وجميع هذه الحوارات تمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبين طرفين أو عدة أطراف. وهنا ينبغي ذكر عدة نقاط هامة فيما يخص النظرة الدينية بالنسبة لمسألة الحوار: أ- ضرورة الحوار وأهميته في المجتمعات الإنسانية المتنوعة. ب- مكانة الحوار ودوره الفاعل والمؤثر في نقل الأفكار والأنظار والمقاصد. ج- امكانية الاستفادة من أساليب الحوار المتنوعة بما يتناسب مع كل حالة من الحالات. ونظراً إلى إمكانية الإستفادة الواسعة من آلية الحوار في المجالات الدينية والمذهبية، فإنه يمكن استثمار هذه الآلية للحصول على أقصى درجات النجاح والوصول إلى أهداف هي في غاية الأهمية، وخاصة فيما يخص الحوار على صعيد المذاهب الإسلامية، فإن التزام الامة بالحوار والتفاهم وتبادل وجهات النظر من شأنه القضاء على كل آثار الخلافات والتراكمات السابقة والإنطلاق نحو آفاق الوحدة الإسلامية الشاملة عبر مسار التقريب بين المذاهب الإسلامية. ج- اُسس وضوابط الحوار الديني: أشرنا سابقاً إلى مدى التأثير البالغ لمنهج الحوار في المجال الديني، والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن الاستفادة من هذا المنهج في سبيل تحقيق الوحدة؟ وما هي ضوابط الحوار المنشود؟ إذ من الواضح أن ليس كل حوار ديني تقريبي يمكن له أن يثمر عن النتائج المتوخاة. وفي الحقيقة فإن الحوار الديني يجب أن يبتني على اسس وضوابط محددة لإيجاد الأثر المناسب في الحد من اتساع هوة الخلافات والقضاء على جميع حالات التعصب والتطرف. ويرتكز الحوار الديني على الاسس والقواعد التالية: 1- مجالات الحوار: أ- ضرورة الحوار في جميع الظروف: وقد أشرنا إلى هذه المسألة سابقاً وقلنا ان الحوار هو من أهم الوسائل الناجعة للتخلص من كافة المشاكل والمعضلات وفي جميع الحالات والظروف، ويظهر من آيات الذكر الحكيم أن الأنبياء والرسل كانوا يدعون قومهم إلى الحوار مع ما هم عليه من المعتقدات. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)(10). ب- ضرورة تعيين محاور الحوار: حيث يجب على كلا الطرفين تعيين المحاور الرئيسية التي يقصد إجراء الحور حولها، وإلا دخل الطرفان في متاهة ولم ينتج الحوار شيئاً، لا بل قد يزيد ذلك من الاختلاف. ج- التزام الطرفين بالاصول العقلية المعلومة بالضرورة: إذ لا يمكن الحصول على أية نتيجة من الحوار باللجوء إلى المعاندة وإنكار الامور البديهية. قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)(11). 2- مستلزمات الحوار: أ- التخصص في موضوع الحوار والمساواة في المستوى العلمي والمعرفي: فمن الضروري أن يمتلك الطرفان التخصص المناسب في موضوع الحوار، ويكونا على مستوى واحد من الجهات العلمية والمعرفية، فلو كان أحد الطرفين أو كلاهما لا يمتلك المعلومات اللازمة أوالتخصص الضروري في موضوع الحوار، فلا ثمرة له حينئذ. قال الله عز وجل: (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(12). ب- الحياد ومراعاة الإنصاف: إذ لا يكاد يخفى على أحد أن الحوار ينبغي أن يتم في مناخ تسوده الثقة المتبادلة وأن يراعى فيه الحياد والإنصاف، قال تعالى مخاطباً نبيه الأكرم (ص): (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(13)، - أي من التوراة والقرآن الكريم-، وفي هذا السياق أيضاً يؤكد القرآن الكريم على أهمية اتباع الأحسن من الأقوال، قال عزّ اسمه: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(14). 3- ضوابط الحوار: أ- مراعاة آداب الحوار: فلا بد حين الحوار من مراعاة الاطر والمعايير الأخلاقية والإحترام المتبادل وعدم إثارة الحساسيات والاجتناب عن الإساءة والتهديد والتكفير وما إلى ذلك، فإن رعاية القيم والموازين الأخلاقية في الحوار بالإضافة إلى كونها نابعة من التعاليم والقيم الإسلامية، فإن لها آثار ونتائج روحية وعاطفية عديدة منها بناء الثقة وتقارب القلوب وتآلفها، وبالمقابل فان اللجوء للإساءة والسب والتهديد وغيرها من الامور المنافية للمبادئ الشرعية القويمة لها آثار سلبية مدمرة كثيرة أخفها التشاؤم والتنافر وسلب الثقة والاعتماد بين الطرفين واللجاجة في الرأي. قال سبحانه: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم)(15). ب- ضرورة الحوار في ظل مناخ علمي بعيد عن المشاعر أوالإنطباعات المسبقة: فمن الضروري على كلا الطرفين ممارسة الحوار في ظل الاطرالعلمية والبحثية وتجنب المسائل الهامشية المرتكزة على المشاعر أوالإنطباعات المسبقة، فالمهم في الحوار هو الإستدلال المنطقي السليم: (...قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(16)، والابتعاد عن السجالات والمناقشات اللفظية: (...مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)(17). ج- توفير مساحة للاطروحات الفكرية الجديدة: فالإسلام يولي أهمية كبرى للعطاء الفكري والعلمي ويدافع بشدة عن حرية الفكر وحرية الإبداع. 4- أسلوب الحوار: أ- الإستماع لرأي الآخر: حيث ينبغي على كل طرف من أطراف الحوار الإستماع لآراء ووجهات نظر الطرف الآخر: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ...). ب- اتباع أفضل أساليب الحوار: فإن القرآن الكريم يؤكد على ضرورة الإستفادة من الاسلوب الصحيح في الحوار: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). ج- ضرورة الإستدلال العقلي والمنطقي: وقد أشرنا إلى هذه النقطة مسبقاً، وقلنا إن الحوار يجب أن يحدد في سياق الاطر العلمية والبحثية، ونضيف هنا أن المباحث العلمية المطروحة على مائدة الحوار يجب أن تعتمد على الأدلة والبراهين العقلية والمنطقية الواضحة والصريحة: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ). د- إضفاء المؤثرات العاطفية على المباحث العقلانية: ويتم ذلك بطرح بعض المسائل التي تبعث على التوادد والتآلف بين القلوب، مما يؤدي للمزيد من الاطمئنان والثقة والإعتماد المتبادل بين طرفي الحوار، وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم ﺑ "الموعظة الحسنة"، وقد تقدم أن هذا الاسلوب يمكن أن يؤثر فيما لو لم يتفهم الطرف الآخر منطق الاستدلال والبرهان. ھ- ضرورة التعرف على المساحات المشتركة والإرتكاز عليها: وتأتي أهمية هذه النقطة نظراً إلى أن من اولى أهداف الحوار المشترك هو تعرف الطرفين على نقاط الوفاق والمساحات المشتركة، فيجب على المتحاورين إذن السير في هذا الإتجاه كمقدمة لمواصلة الحوار، ومن النماذج التي يمكن التمثيل بها في هذا السياق قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ...)، فالتأكيد في الآية الكريمة على الكلمة أو النقطة المشتركة له دلالة على أهمية هذا الموضوع واعتباره محوراً رئيسياً لمواصلة مراحل الحوار اللاحقة. فظهر إذن مما سبق أن الحوار حسب الرؤية الإسلامية يشتمل على الخصائص والمميزات التالية: - كونه من أهم الأساليب التي يمكن بواسطتها مواجهة التمزق والإنهيار الإجتماعي. - إن الإنسان بطبيعته يميل نحو الحوار. - إن الحوار على الصعيد الديني ذو ماهية تقريبية ووحدوية. - إن المحور المشترك للحوار الديني هو القضاء على ظواهر الفرقة والإختلاف. وبعد أن اتضح كل هذا، نتعرض الآن للبحث حول الموضوع الرئيسي الذي لأجله اُعدت هذه الورقة وهو: (دور ثقافة الحوار في نبذ الطائفية). الأمة بين المذهبية والطائفية 1- المذهبية، النشأة والثمرات: تعود نشأة المذاهب الإسلامية إلى الفترة التي تلت وفاة النبي الأعظم (ص)، إذ ان المسلمين إبان حياة النبي (ص) كانوا يتلقون الأحكام الشرعية والمفاهيم الإسلامية منه (ص) بصورة مباشرة ولم تكن هناك حاجة للإجتهاد كما هو واضح، وبعد رحيله (ص) برزت الحاجة الماسة للإجتهاد للإيفاء بالمتطلبات المستحدثة إثر توسع الإحتياجات وكثرة الحوادث و ظهور مسائل ومفاهيم جديدة، وازدادت الحاجة إلى الإجتهاد والإستنباط في عصر التابعين. وبمرور الزمان، ونظراً لاختلاف القراءات وتعدد المسالك والمشارب وتباين الرؤى والأنظار بالنسبة لمبادئ الشريعة ومقاصدها، ظهرت اولى معالم نشوء المذاهب الإسلامية، ويرى بعض المفكرين "ان العالم الاسلامي شهد منذ اوائل القرن الثاني وحتى منتصف القرن الرابع 138 مدرسة ومذهبا فقهيا، حتى ان الكثير من البلدان كان يمتلك مذهبا خاصا به"(18). إن تعدد المذاهب مضافاً إلى كونه حالة طبيعية ومتوقعة، لما أشرنا إليه آنفاً من تباين الاستنباطات الفردية واختلاف وجهات النظر في فهم مقاصد الشريعة، فهو يشكل ثروة هائلة للحضارة الإسلامية، ويعتبر عنصراً إيجابياً فاعلاً في ازدهار المجتمع الإسلامي وتكامله على كافة المسارات الفكرية والعلمية والثقافية والإجتماعية، ما دام ذلك يأتي في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة. 2- الطائفية، أسبابها وآثارها: واصلت الحركة المذهبية مسيرها في الإتجاه الصحي السليم بصورة عامة فترة من الزمن، وقطعت أشواطاً أثمرت من خلالها عن نتائج إيجابية ملموسة، وأسهمت في إغناء الفكر الإسلامي الحضاري، ولكنها انحرفت فيما بعد عن مسارها، وتبدلت هذه الظاهرة الصحية الطبيعية إلى ظاهرة سلبية، وتحولت المذهبية المحمودة إلى طائفية ممقوتة، وراحت الامة الإسلامية تشهد فترات مريعة يمارس فيها شتى أصناف التكفير والتفسيق والتبديع، مما أدى إلى نزاعات مريرة خلفت كوارث مفجعة وآثاراً مدمرت على الامة الإسلامية ككل. وتؤكد الدراسات العديدة "ان هناك عوامل كثيرة ساعدت على انحراف الإتجاهات المذهبية نحو الطائفية، نشير هنا إلى البعض منها: 1- الجهل الذي هو آفة الآفات. 2- التعصبات العمياء. 3- الأطماع السياسية للحكام المنحرفين. 4- المصالح الشخصية الضيقة لبعض الإنتهازيين. 5- تصدي البعض ممن ليس أهلاً للإجتهاد لهذه المسؤولية الخطيرة. 6- أعداء الإسلام من خارج العالم الإسلامي. و..."(19). أنواع الإختلاف: الإختلاف بين أتباع الدين الواحد نوعان: محمود ومذموم. أ- الإختلاف المحمود: وهو الإختلاف في المسائل الدينية الفرعية وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الاصول القطعية، ويعود سببها إلى تنوع الإجتهادات وتباينها باختلاف مصادر التشريع والمباني العلمية. وهذا النوع من الإختلاف هو اختلاف تنوع محمود. يقول المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين: "إن الإختلاف الذي يحصل بين مجتهدَين من مذهب واحد، مرده إلى كيفية إستنباط الحكم من مصادر الإستنباط، وهذا الأمر ينطبق على الإختلاف بين أتباع المذاهب، فلا يمكن لأتباع إحدى المذاهب إبطال إجتهاد أتباع المذهب أو المذاهب الاخرى". ب- الإختلاف المذموم: ويرجع أسبابه إلى عدة امور أهمها: التعصب للأشخاص أوالمذاهب، والإعجاب بالرأي، والمسارعة في اتهام الآخرين من دون بينة وتفسيقهم وتكفيرهم، وبعض العوامل الاخرى. وهذا الإختلاف هو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الطائفية. يقول المرحوم الشهيد مطهري بهذا الشأن: "إن من إحدى أسباب تأسيس الحضارة الإسلامية هو حالة التسامح الحاكمة على علاقات المسلمين مع أتباع الأديان الاخرى، وكذلك مع بعضهم البعض، رغم اختلاف الأفكار والمشارب، وعلى العكس تماماً من تلك العصور، نشاهد اليوم جواً مليئاً بالأفكار الضيقة والمحدودة التي تخطّئ الجميع وتكفّرهم وتفسّقهم...، إن القرآن الكريم يقول بالنسبة للإختلاف: "ولذلك خلقهم"، ويقول النبي (ص): "إختلاف امتي رحمة". وإن لَمن أهم النتائج المدمرة لهذه الأفكار الضيقة التي تؤدي للتخطئة والتكفير والتفسيق، هو الفرقة وتشتت القوى والطاقات".(20) دور الحوار في نبذ الفرقة والإختلاف: تقدم أن الحوار له دور أساسي وفاعل في التقريب الثقافي والإجتماعي، وفي المقابل فإن المجتمعات البعيدة عن عالم الحوار وإيجاد العلاقات المتبادلة، تسير في المنحى الذي يؤدي بها للفرقة والتشتت والتمزق الإجتماعي، فإثر عدم الحوار يحصل هناك تباعد في داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المتعددة مما يولد حالة من التخوف والتشاؤم ويخلق مناخاً مضطرباً ويبعث على التصرفات غير المتوازنة، وباستمرار هذه الحالة تظهر حالات التخاصم والتنافر على المستوى الإجتماعي والثقافي، وهو بدوره يؤدي إلى الإختلاف فالفرقة في نهاية المطاف. وفي الحقيقة فإن الكثير من المشاحنات والسجالات الثقافية والدينية لا تحصل إلا عبر سلوك هذا المنحى الذي نهت عنه النصوص الإسلامية بشدة وحزم، قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(21)، وفي آية قرآنية اخرى: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)(22). النموذج البياني للإختلاف: الفرقة الإختلاف ...التنــافر... .....التشــاؤم..... .....عـدم الحـوار..... الحوار كآلية فاعلة للتقريب بين المذاهب الإسلامية: يعتبر الحوار في حد نفسه وسيلة للتقارب والتلاحم ولم الشمل، ونعتقد أن هذا الموضوع هو من إحدى مقاصد التأكيد على ثقافة الحوار في النصوص الإسلامية. وفي الحقيقة فإن الحوار يجب أن يتم بهدف تبادل وجهات النظر والأفكار، وهو ما يؤدي في مرحلة لاحقة إلى حصول التفاهم المتبادل بين الأطراف بالاستناد على المساحات والقواسم المشتركة، وفي صورة مواصلة الحوار فإن التفاهم المذكور يبعث على الإنسجام، وهو بدوره يثمر عن تقارب الرؤى والأفكار، وبالتالي تحقيق الوحدة العملية الحقيقية. ونصطلح على مجموع هذه المراحل المتتالية: نموذج ثقافة التقريب. ويمكن تطبيق هذا النموذج على مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية بالبيان التالي: فقبل كل شيء يتم الحوار بين سائر أتباع المذاهب الإسلامية بهدف الوصول إلى المساحات المشتركة بين المذاهب وتعيينها، وفي المرحلة اللاحقة، وفي صورة استمرار الحوار والتواصل فإن ذلك ينتج التفاهم والتوافق على مجموعة من القواعد والاصول الأساسية التي تؤدي بدورها إلى خلق الإنسجام في العالم الإسلامي، ومن ثَمّ التقريب بين المذاهب الإسلامية، وأخيراً الوحدة الإسلامية الشاملة. النموذج البياني للتقريب: الوحدة التقـريب ...الإنسجام... ....التفـــــــاهم.... .......الحــــــوار....... -------------------------------------------------------------------------------- [1] ـ الرحمن/3و4. [1] ـ الزمر/17و18. [1] ـ Cultural cnvergence,Barnet. GA and Kincaid,175 [1] ـ النحل/125. [1] ـ العنكبوت/46. [1] ـ طه/44. [1] ـ مجمع البيان للطبرسي، ج8، ص450. [1] ـ الإسراء/53. [1] ـ البقرة/83. [1] ـ آل عمران/64. [1] ـ البقرة/170. [1] ـ آل عمران/66. [1] ـ القصص/49. [1] ـ الزمر/17و18. [1] ـ الأنعام/108. [1] ـ النمل/64. [1] ـ الزخرف/58. [1] ـ تأريخ الفقه الإسلامي، ص86. [1] ـ آية الله الشيخ محمد علي التسخيري، أساليب وآداب التفاهم والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ص5 (نقل بالمعنى). [1] ـ مذكرات الشهيد مطهري (1)، ص155. [1] ـ العنكبوب/46. [1] ـ الزخرف/